"لدي يقين أن الحياة ستكون أجمل إن تم استبدال النفط بوقود آخر لا يلوث الهواء"، كانت هذه الكلمات التي بدأ بها بدر، شاب من مدينة مراكش، حديثه وهو يتخيل الوضع إن استطاع العالم أن يتخلص من انبعاثات الوقود الأحفوري، ويضيف بعينين حالمتين، "أكيد إن تحقق ذلك سأتخلص من أعراض مرض الربو الذي أنهك صحتي لسنين عدة ".

في عصرنا هذا، حلم بدر وباقي سكان الأرض بالتخلص من الانبعاثات الكربونية بات خيارا متاحا بفضل طرح بديل للوقود الأحفوري في الأسواق العالمية، وهو وقود جديد يحمل اسم "الهيدروجين الأخضر"، فمناصرو الطبيعة يرون فيه الوسيلة الأنجح للحد من أخطار الاحتباس الحراري، إذ أن الوقود الجديد من المنتظر أن يلعب دورا مهما في إزالة الكربون وتقليص نسبته في الهواء.

ويقول الدكتور يوسف انعايمي، أستاذ بكلية العلوم بن مسيك مختص في الطاقات المتجددة وبطاريات وقود الهدروجين والإلكتروكمياء، أن "الهيدروجين الأخضر يمكن إنتاجه باستخدام الكهرباء الناتجة عن الطاقات المتجددة (الشمسية والريحية) في تفكيك الماء إلى غازي الهيدروجين والأكسيجين في ما يمكن تسميته اصطلاحا التحليل الكهربائي للماء، كما يمكن أيضا إنتاج الهيدروجين الأخضر عن طريق بعض النباتات في ظروف خاصة، وهذه الطريقة لا زالت قيد البحث في المختبرات، أما تقنية التحليل الكهربائي للماء فهي طريقة متداولة إلا أنها مكلفة من حيث استعمال الكهرباء كمادة أولية، لذلك فأغلب الهيدروجين المستعمل حاليا في الصناعات مستخلص من الوقود الأحفوري (أكثر من 90%) لأن هذه الطريقة أقل تكلفة. "  

التزامات مناخية 

يلقى هذا النوع الجديد من الوقود الترحيب في عدد كبير من دول العالم، خاصة تلك التي تتقيد بالتزامها باتفاقية باريس للمناخ، التي تهدف إلى الحد بشكلٍ كبير من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، والحد من زيادة درجة الحرارة العالمية إلى درجتين مئويتين، مع السعي إلى الحد من الزيادة إلى 1.5 درجة، وذلك لتجنب المخاطر التي تهدد سلامة الأرض في حال استمرار التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة.

ويعتبر المغرب من أبرز الدول التي أبدت التزاما كبيرا بهذه الاتفاقية، فقد تمكن من احتلال المرتبة الرابعة عالميا في مؤشر الأداء لتغير المناخ للعام 2021 ، الذي تصدره مؤسسة Germanwatch ، وذلك بفضل الارتفاع المهم الذي حققه في نسبة الطاقات المتجددة خلال السنوات الأخيرة، و تطوير إمكانيات جديدة في مجال الطاقة النظيفة.

وقد توج المغرب هذا الالتزام بتوقيع اتفاق مع ألمانيا بهدف تطوير قطاع إنتاج الهيدروجين الأخضر، ووضع مشاريع للأبحاث والاستثمارات من أجل تثمين استعمال هذه المادة. ولقد اختارت ألمانيا، التي خصصت جانبا كبيرا من ميزانيتها لتحفيز توليد الطاقة النظيفة، المملكة المغربية من أجل مؤهلاتها وامكانياتها الهائلة في مجال الطاقة المتجددة إلى حانب متانة بنيتها التحتية المينائية وموقعها الجغرافي المميز.

وتتضمن الاتفاقية مشروع بناء مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر الذي اقترحته وكالة الطاقة الشمسية المغربية (MASEN)والذي سيكون أول محطة لإنتاج الهيدروجين في افريقيا، ومن المقرر أن يمول بنك التنمية KFW المشروع بقيمة مالية تتجاوز 300 مليون يورو، بالإضافة إلى التعاون في مجال الأبحاث ونقل المعرفة وبناء المهارات بالمشاركة مع معهد البحوث في الطاقة الشمسية والطاقة الجديدة المغربي (IRESEN).

 

طاقات هائلة

وضعت دراسة نشرها القسم الألماني في "مجلس الطاقة العالمي" المغرب في أعلى قائمة البلدان المرشحة لاستقطاب الاستثمارات الألمانية والأوربية في مجال الهيدروجين الأخضر، واصفة إياه ببلد "الطاقات الهائلة" وذلك بسبب إمكانياته الطاقية القوية، فلدى المغرب العديد من الإمكانيات منها 3000 ساعة من أشعة الشمس في السنة، وسرعة رياح تفوق 9 أمتار في الثانية في المناطق الساحلية، فضلاً عن مواردها المائية. وتبنت المملكة، منذ عقد من الزمن، بشكل إرادي سياسة طموحة بشأن الطاقات المتجددة، بدأت تؤتي أكلها بفضل انجاز مشاريع ضخمة خاصة في مجال الطاقة الريحية والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية. وقد ارتفع طموح المملكة في مجال الطاقات المتجددة بإعلانها عزمها أن تفوق السقف الذي أعلنت عنه في قمة المناخ بباريس وأكدته في قمة المناخ بمراكش وهو رفع حصة الطاقات المتجددة إلى ما فوق 52% من الانتاج. 

بالإضافة إلى ذلك، لدى المغرب العديد من الموارد مثل الإسمنت والحديد الصلب، من خلالها يتم استخراج ثاني أكسيد الكربون عند عمليات التصنيع واستخدامه مع الهيدروجين الأخضر لإنتاج غاز الميثان وبالتالي التخلص من هذه الانبعاثات بتكلفة رخيصة جدا. وتظل هذه العملية الحل الأمثل في الوقت الراهن نظرا لأن سياسات تغير المناخ تخطط لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصناعية وعدم القضاء عليها تماما في المستقبل المنظور.

ميزة أخرى مهمة جعلت المغرب وجهة استثمارية في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر، وهي خط أنابيب الغاز الذي يربط الجزء الشمالي من المملكة بأوروبا والعديد من الموانئ المؤهلة للمنتجات السائلة، وهذا سيساهم في انخفاض نسبة التكاليف بالمقارنة مع بلدان أخرى.

كما أن العلاقة الراسخة والقوية بين المغرب و شركائه وخاصة الاتحاد الأوروبي ساهمت في جلب استثمارات مهمة إلى المملكة، حيث أن المغرب مُنح الوضع المتقدم في اتفاقيات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي منذ ما يقرب العقدين من الزمن. وقد استقطب قطاع الطاقة المتجددة ما يفوق 10 مليار أورو.

صورة من موقع Morocco World News

سوق للهيدروجين

على الرغم من الإمكانيات الهائلة التي يتمتع بها المغرب سواء في مجال استخراج أو إنتاج الهيدروجين الأخضر فإنه لن يتمكن من التربع على عرش المصدرين دون وجود سوق عالمية لهذا المنتج، فمن الضروري أن يتمكن المستثمرون من تأمين تمويل مشاريعهم وإيجاد أسواق طويلة الأمد لمنتجاتهم، يعني هذا أنه بدون سوق طلب مناسب وبدون رغبة العملاء في شراء المنتج، لا يمكن توقع حدوث استثمارات في تقنيات ومرافق الهيدروجين الأخضر على المدى الطويل.

و بخصوص ذلك، فقد جاء في دراسة أصدرتها وزارة الطاقة والمعادن والبيئة بالمغرب أن المخاطر كبيرة والفرصة تصل إلى مئات المليارات من اليوروهات سنويًا، ومن المؤكد أن المغرب لن يكون قادرًا على لعب دور المورد الحصري لمنتج الهيدروجين الأخضر لأوروبا والعالم، ولكن يمكن للمملكة أن تلعب دورا محوريا ومؤثرا في هذا القطاع .

وعن فرص الهيدروجين الأخضر في منافسة الوقود الأحفوري يقول الدكتور يوسف انعايمي، مختص في الطاقات المتجددة و بطاريات وقود الهدروجين والإلكتروكمياء، إن "أولا الهيدروجين الأخضر يمكن استعماله كبديل للوقود الأحفوري لأن التطورات التكنولوجية جعلت من الممكن التحكم في استعمال وتخزين الهيدروجين بشكل أفضل .ثانيا، يمكن استخدام البنيات التحتية الحالية التي تستعمل مشتقات الوقود الأحفوري مع بعض التعديلات واستعماله في السيارات الكهربائية الهيدروجينية (استعمال بطاريات وقود الهيدروجين). ثالثا،

اتضح في الوقت الحالي، أنه يمكن استعمال الطاقة الكهربائية لإنتاج الهيدروجين الذي بدوره يستعمل لإنتاج الأمونيا                (amoniac) و يمكن تخزينه بشكل سهل.

التطور التكنولوجي ومستقبل الطاقة

تشكل التقنيات أساس إنتاج الهيدروجين الأخضر إلا أن تكاليفها عالية جدًا، لذلك فهي تحتاج إلى مزيد من الارتقاء حتى تصبح "جاهزة للسوق"، أي أن تنخفض التكاليف بشكل كافٍ بحيث تتمكن منتجات الهيدروجين الأخضر من المنافسة في السوق. إلا أن بعض الشركات الكبرى التي كانت تخطط لاستثمارات كبيرة في التكنولوجيا قد تتخلى عن خططها أو تقلّص تمويلها بشدّة بسبب الركود الاقتصادي الناتج عن جائحة "كورونا"، كما يُرجَّح أن تعاني الشركات الصغيرة والرائدة في تطوير تكنولوجيا الهيدروجين الأخضر من نقص كبير في السيولة بسبب الانخفاض الحاد في الإيرادات. 

في الوقت الراهن، الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن فيروس كورونا تؤكد أهمية امتلاك التكنولوجيا، و تندرج مجهودات المملكة المغربية لتطوير منصات للبحث والتطوير وفي هذا الإطار من المنتظر إنشاء منصة للهيدروجين الأخضر (Green H2A). 

بالإضافة إلى ذلك ، قامت مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط OCP، بدعم من UM6P و IRESEN و GEP ومعهد فراونهوفر (Fraunhofer) بإجراء فحص لتقنيات "Power-to-X"، ولا سيما لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا، بهدف اختبار التقنيات المستخدمة لاكتساب الخبرة، وذلك استعدادًا للإنتاج الصناعي المستقبلي. ونتج عن هذا النهج مشروع تجريبي لإنتاج الأمونيا الخضراء، ليتم تركيبها في بيئة حقيقية باستخدام التكنولوجيا، وهذا المشروع في المرحلة النهائية.

أيضا، خصصت الحكومة المغربية  80 مليون دولار أمريكي للفترة 2018 – 2023 لمنصات البحث والتطوير و طلبات العروض للبحث والابتكار وكذا لمواكبة الشركات الصغيرة الصاعدة (Startup) في مجال الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية، إضافة إلى  تجهيز مركب Green & Smart Building Park ، الخاص بالبحث والتطوير في مجال البنايات الخضراء والنجاعة الطاقية من طرف معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات الجديدة وقد تطلب هذا المركب استثمارا  يناهز 25 مليون دولار أمريكي.

 

وقود المستقبل

وتوضح التقديرات الإرشادية لدراسة نشرها القسم الألماني في "مجلس الطاقة العالمي"  أن السوق العالمي الناضج لوقود الهيدروجين الأخضر يمكن أن يطلب بسهولة ما بين 10000 إلى 20000 تيراوات في الساعة على المدى الطويل (2050 وما بعده)، الذي يعادل حوالي 50٪ من الطلب العالمي اليوم على النفط الخام، ويمكن أن تصل السعة المطلوبة للمحللات الكهربائية للمياه (لإنتاج الهيدروجين) وحدها إلى ما بين 3000 إلى 6000 جيجاوات، مما سيسمح من تخفيض تكلفة هذا الوقود ليصبح سعره تنافسيا في المستقبل.

في الوقت الراهن، تعتبر منتجات الهيدروجين الأخضر المحايدة للكربون أكثر تكلفة في الإنتاج من الوقود الأحفوري، ومن المرجح أن يستمر هذا الأمر في المستقبل المنظور بينما لا تزال الموارد الأحفورية متوفرة بكثرة. لذلك، يقترح الخبراء الألمان -في الدراسة التي أجروها عن فرص الهيدروجين الأخضر- تطوير إطار تنظيمي يعكس القيمة البيئية للهيدروجين الأخضر لضمان قدرة هذه المنتجات على المنافسة في السوق،  ويرى هؤلاء الخبراء أن ضريبة الكربون التي أقرها الاتحاد الأوروبي ستساهم في ازدهار سوق الهيدروجين الأخضر، بسبب أن العقوبات العالية ستدفع مصنعي المعدات لدفع ثمن تقنيات تجنب ثاني أكسيد الكربون. 

وبخصوص ذلك، يؤكد عبد العزيز المقبل، خبير نفطي سعودي، أن "ما سيحدد البدائل عن الوقود الأحفوري هو التطبيق والتكلفة و ليس محصورا بالتشريعات القانونية، خلال العشر سنوات الأخيرة سجلت أوروبا نسب نمو اقتصادية ضئيلة جدا وهي بذلك تحصر قدرتها التنافسية في الاقتصاد العالمي. كيف سيتم انتقال العالم إلى الوقود البديل هو ما سيحدد إن كان الهيدروجين قادر على ملء الحيز الحالي للنفط، والتضحيات الاقتصادية ستكون على المحك. القرارات التشريعية حتى و إن ارتبطت بالطاقة و مصادر الطاقة إلا أنها تحمل تنازلات في القطاعات الصناعية والخدماتية بشكل لا يقل أهمية."

في زمننا هذا، يبقى السعر هو المتحكم الأول في مستقبل الوقود، لذلك فإن المطالب بالحد من الانبعاثات الضارة تبقى مقرونة بأرقام الأسعار، ويبقى مستقبل سكان الأرض رهينا بالجهود الرامية إلى تطوير التقنيات التكنولوجية وتغيير الأنظمة التشريعية والسياسية لتصبح أكثر صرامة في مواجهة الأخطار البيئية المحدقة بالكوكب. 

المواطنون بدورهم باتوا أكثر وعيا بأضرار الانبعاثات الكربونية، وهذا ما أكدته السيدة مريم، مدرسة لغة عربية في الأربعينات من عمرها، وهي تراقب بتخوف إحدى سيارات الإسعاف الخاصة بمرضى كورونا وهي تمر من أمامها، قائلة: "الأمراض والأوبئة التي أضحت تكتسح كوكبنا مؤخرا سببها الأول هو التلوث، والعالم اليوم أضحى مطالبا بإيجاد حلول للتخلص من الانبعاثات، خاصة بعد الأزمة الصحية و النفسية والاجتماعية التي يسببها وباء كورونا"، وأشارت مريم إلى أن "المواطنين أصبحوا أكثر وعيا بأخطار هذه الإنبعاثات وعلى الحكومات في جميع أنحاء العالم أن تتصرف بسرعة لإنقاذ سكان الأرض."