"من الأفضل ألا تشتري هكتارات زراعية بمنطقة "الفايجة"، البطيخ الأحمر يحتاج إلى مياه جوفية غزيرة متدفقة، إلا أنها ضعيفة وتنقطع باستمرار هناك، أخشى أن يتأثر محصولك الزراعي". هكذا نصح "عمر" (اسم مستعار) وسيط عقاري فلاحي من منطقة زاكورة المغربية معد هذا التقرير، الأخير قدم نفسه على أنه رجل أعمال مبتدئ يرغب في الاستثمار في زراعة البطيخ الأحمر ب "الفايجة"، جنوب مدينة زاكورة المعروفة ببطيخها اللذيذ، ذات المناخ شبه الصحراوي والتي لا يتعدى معدل تساقطاتها 61mm سنويا حسب موقع Climate Data.

مياه ضئيلة وفاكهة وفيرة


على الرغم من انخفاض هذا المعدل، فإن أكثر من 22 مليون طنا من المياه الجوفية احتاجها أصحاب ضيعات البطيخ الأحمر هذه السنة بإقليم زاكورة، لسقي حوالي 4500 هكتار سنويا (2500 هكتار سنة 2014) من هذه الفاكهة استوائية الأصل حسب البرلماني السابق حماد آيت باها، أي أكثر من 25 ألف طن من الماء لكل خمس هكتارات، وبإنتاج يتجاوز 220 ألف طن (150 ألف طن سنة 2014)، علما أن كل هكتار ينتج ما يناهز 65 طن من البطيخ الأحمر، ويستهلك أكثر من خمسة آلاف طن من المياه الباطنية صعبة التجدد.

المساحات المزروعة سنويا بالبطيخ الأحمر في المغرب- بالهكتار

تعتمد زراعة البطيخ الأحمر بالإقليم على المياه الجوفية بعيدا عن مياه واحات جنبات واد درعة، كما صرح لنا مدير وكالة الحوض المائي لجهة درعة وادنون، عبد العاطي القايمي. انتشرت فكرة زراعة الفاكهة التي يصنفها حقوقيون بيئيون بالمدينة "فاكهة دخيلة ومستنزفة للمياه الباطنية"، بمبادرات فردية، وعلى نطاق ضيق في المنطقة منذ بداية القرن الحالي، بتهيئة ضيعات لا تتعدى مساحتها بضع هكتارات، ثم تمدد النشاط الزراعي لاحقا في صفوف الفلاحين بعد إعلان "مخطط المغرب الأخضر" سنة 2008، الذي شجع ودعم الفلاحين ماديا ولوجستيكيا على زراعة البطيخ الأحمر، رغم ندرة المياه السطحية والجوفية، وموجات الجفاف المتلاحقة.

"محمد"، مزارع من منطقة "الفايجة" نواحي زاكورة، وهو ممن بادروا سنة 2000 بزراعة البطيخ الأحمر، ومن المزارعين الذين شجعوا باقي الأقران على اتباع نهجه، لأن المردود المادي لهذه الفاكهة يصل في المتوسط إلى سبعة ملايين سنتيم (حوالي 7500 دولار) عن كل هكتار وفق بعض الفلاحين، وهو جيد مقارنة بباقي المزروعات التي تشتهر بها المنطقة. استفاد "محمد" كغيره من المزارعين، قبل عشر سنوات من دعم "مخطط المغرب الأخضر" مهيئ ضيعته الزراعية بحوض مائي، وبأنابيب تقنية الري بالتنقيط التي تقلل من استهلاك مياه السقي دون هدرها، ورغم اعتماد هذه التقنية، إلا أن جزء من سكان مدينة زاكورة يرفضون زراعة البطيخ على أرضهم، لأنه يستهلك في عملية سقيه 100 لتر من الماء لكل كيلوغرام واحد، حسب تصريحات متطابقة حصلنا عليها من مسؤولين محليين ومزارعين وبرلماني.



"1500 لتر لكل كلغ من التمر، و500 لتر للحناء، و200 لتر للفصة"، هكذا يدافع الفلاح "محمد" عن زراعة يظنها أنقذت ما يقرب من 1000 فلاح يزرع البطيخ الأحمر من براثن الفقر الذي عرفته المدينة لسنوات طوال، مضيفا "البطيخ الأحمر زراعة شتوية تبدأ من أواخر شهر دجنبر إلى بدايات شهر أبريل، عكس باقي الزراعات التي يجب أن تسقى طيلة السنة". ووفق عدد من المزارعين بمنطقة "الفايجة" ومنطقة "طاطا"، فإن البطيخ الأحمر الذي أنتج منه المغرب سنة 2018 أقل بقليل من 750 ألف طن حسب منظمة "فاو"، يحتاج يوميا ل 10 دقائق من السقي في الأشهر الأولى، لتزداد المدة ل 15 دقيقة في شهر أبريل وماي.

رئيس جمعية أصدقاء البيئة بمدينة زاكورة، جمال أڨشباب، يؤكد على أن "زراعة البطيخ الأحمر تشكل خطرا على المياه الجوفية للمدينة التي تشهد شحا في التساقطات منذ عشرات السنين"، معتبرا بأن ملايين الأمتار المكعبة القليلة المتبقية تهدد الاستقرار المائي أولا لهذا الجيل ثم الذي يليه. ف "عشرة ملايين متر مكعب من المياه الجوفية هي كل ما تبقى في منطقة الفايجة الزراعية" كما قال لنا مدير وكالة الحوض المائي لجهة درعة وادنون. انقضاؤها المتوقع أواسط العشرية القادمة، سيقود السكان المحليين إلى لجوء مناخي كبير نحو مناطق الشمال بعد أفول المياه.

شبح الآبار السرية


ألححنا على الوسيط بأننا نود حفر آبار بدون تراخيص في الأرض التي من المفترض أننا سنشتريها، كي نرفع من محصولنا الزراعي، فأخبرنا بأن " من الممكن القيام بذلك وفي ليلة واحدة فقط مقابل حوالي 4500 درهم للمتر"، إلا أنه لم يحثنا على ذلك، وطلب منا اتخاذ الإجراءات القانونية للحصول على ترخيص حفر بئر من وكالة الحوض المائي وفق مرسوم رقم 96-07-2 المتعلق بتحديد مسطرة منح التراخيص والامتيازات المتعلقة بالملك العام المائي، ولتسهيل المأمورية، أحالنا على ثاقب آبار "سوري" نافذ ومعروف بزاكورة يحفر الآبار ليلا بعيدا عن أعين السلطات، يتقن هذه الحرفة ويخبرها ويتزاحم المزارعون عليه لأنه يستطيع الحصول على التراخيص بسهولة تامة، حاول معد التقرير الاتصال به أكثر من مرة لكنه لم يفلح.

إنتاج المغرب السنوي من فاكهة البطيخ الأحمر

""بالفايجة وحدها يوجد 849 بئرا، جلها حفر بطريقة سرية"، إنه تصريح لمدير وكالة الحوض المائي يعكس الخروقات القانونية التي يرتكبها بعض الفلاحين هناك، والتي تتعارض مع ما جاء في المادة الرابعة" من القانون 36.15 المتعلق بالماء، والتي تعتبره "ملك عمومي غير قابل للتفويت أو الحجز أو التقادم"، ويمنح الحق في استعماله وفق شروط محددة في القانون وفي النصوص التنظيمية. المزارعان "محمد" و"عزيز" الذي يمتلك بدوره ضيعة في نفس المنطقة، يؤكدان وجود الحفر السري، ويعبران عن أسفهما وعدم رضاهما عن هذا الفعل لأنه يزيد من تفاقم الوضع المائي، ويسرع في نفاد مخزون المياه الجوفية بالمنطقة.

رئيس جمعية "أصدقاء البيئة" ينتقد الفلاحين ويقر بأن هناك حفرا سريا بدون ترخيص في زاكورة بسبب جشع الفلاحين لتصدير البطيخ الأحمر لأوروبا وجني الأرباح بالعملة الصعبة، وقد بلغ حجم صادرات المغرب سنة 2019 وفق بيانات موقع Tridge

165 ألف طن في اتجاه دول إسبانيا وفرنسا والبرتغال وبلجيكا...، مقابل واردات وصلت ل 115 ألف طن من نفس السنة.  إن بطيخ زاݣورة الأحمر غدا مطلوبا في الأسواق الأوروبية بشكل متزايد، لأن " المياه الجوفية التي يسقى بها البطيخ حلوة جدا، والشمس ساطعة طيلة السنة، ويغرس في تربة يمزج بها أكثر من نوعين من الأتربة الجيدة الخالية من الملح، مما يجعل ورق النبتة يفرز موادا سكرية وعضوية مهمة وبشكل فعال"، يقول المزارع "محمد".

يؤكد المزارع "عزيز" على أن "المياه الجوفية الحلوة هي التي تجعل البطيخ شهيا"، وحينما ينقطع ماء البئر يفسد البطيخ في ظرف ثلاثة أيام، لهذا هناك من يحفر دون ترخيص لأنه يخشى على محصوله من الضياع، فانتظار "ترخيص بالحفر قد يأخذ عدة شهور"، حسب ذات المتحدث. وفي إحصائيات غير رسمية في ظل غياب الرسمية، فإن عدد الآبار في كل الإقليم يتجاوز عتبة 13000، جلها لم يحصل على ترخيص وغير متابع لأن مسطرة الطلب تأخذ وقتا. لكن مدير الحوض المائي، "عبد العاطي القايمي" ينفي وجود تأخر في تسليم الرخص سيما وملف التقديم سليم، مشددا على أن "دراسته لا تتجاوز شهرا واحدا"، لكن بعض التعرضات من طرف العائلة أو الجيران، يضيف، "تعرقل المساطر القانونية في كثير من الأحيان وتؤخرها".



الأحواض المائية هل تساعد على الحفاظ على المائدة المائية أم تستنزفها؟

تتبع معد التقرير عبر تقنية الخرائط والمصادر المفتوحة، مناطق زرع البطيخ الأحمر بمنطقة زاكورة. ووجد أن الأحواض التي تملأ بمياه الآبار والتي تخضع لدراسة قبلية من قبل مهندس مختص حول مكان وضعها هي وأنابيب السقي بالتنقيط، قريبة من بعضها جدا ولا تتجاوز بضعة أمتار أحيانا، وعشرات الأمتار في أحيان أخرى. يقول مصدر مسؤول رفض الإفصاح عن اسمه بهذا الخصوص (عدد من المهندسين الزراعيين والمختصين في البيئة رفضوا المساهمة في أي تحقيق يخص موضوع البطيخ الأحمر تحديدا كما عبروا لمعد التقرير)، إن "المهندس يقوم بدراسة إمكانية إنجاز حوض واحد فقط لكل ضيعة، إنه يسهل عملية جمع الماء وسقي كل أرجاء الضيعة في أقل وقت ممكن، كما يساعد في توفير مياه إضافية في حال توقف تدفق ماء البئر".

في السياق ذاته، "هناك أراض تستغل في زراعة البطيخ الأحمر وتملك حوضا مائيا، بيد أنها لا تحتسب من طرف المسؤولين"، يقول الوسيط، والذي اقترح علينا شراء أرض زراعية بمنطقة "الفايجة" تبلغ مساحتها 10 هكتارات بمبلغ أربعة ملايين سنتيم للهكتار الواحد (حوالي 4300 دولار). وأوضح في معرض حديثه، أن خمس هكتارات ستغدو قانونيا وعلى الوثائق في ملكيتنا ويمكن تجهيزها بدعم من الوزارة الوصية، بينما الخمس الأخرى يمكننا استغلالها في زراعة الفاكهة وإضافة حوض مائي جديد غير مرخص.

عبد العاطي القايمي مدير وكالة الحوض المائي له رأي آخر في هذا الخصوص، فهو يشجع الفلاحين على توظيف الأحواض التي يصل طولها أحيانا إلى 26 مترا وتضعها رهن إشارتهم الوزارة الوصية، لأن الحوض المائي، وفق قوله، «يمكن من التحكم في كميات الماء التي تسقى بها الضيعات عبر عداد يحتسب نسبة المياه المستهلكة"، لكن المتحدث، لم يقدم تعليقا حول تأثير قربها من بعضها على المياه الباطنية للمنطقة.

يعمل الحوض المائي بتقنية الطاقة الشمسية لاستخراج المياه من قاع البئر أو الآبار التي انخفض فيها مستوى المياه لدرجات خطيرة تصل أحيانا إلى 150 مترا كما وثق هذا التقرير، ثم توظف قنينات غاز البوطان لإيصال المياه عبر أنابيب السقي بالتنقيط. إلا أن الوسيط العقاري شدد على أنه "يمكن أن يستعمل أكثر من فلاح بئرا واحدا لملء الأحواض المائية"، في مخالفة صريحة للقانون الذي يعاقب بعقوبات إدارية كسحب الرخصة، أو قانونية، تتضمن عقوبات سجنية وأداء غرامات مالية. هذا التصرف، يرهق المياه الجوفية ويستنفذها دون انتباه من المسؤولين، يضيف، "لا أحد يراقبهم".


أكثر البلدان التي يصدر إليها المغرب البطيخ الأحمر- بالدولار وبالنسبة المئوية



للبطيخ أمل في النجاة

"السدود التلية هي الحل كي نستمر في زراعة البطيخ الأحمر مع الحفاظ على الفرشاة المائية"، يتفق محمد وعزيز أبناء مدينة زاكورة على ذلك، ويؤمنان أن هذه السدود كافية بأن تخفف العبء عن المياه الباطنية لتتجدد مع الوقت بالشكل الكافي، ويتوقع مدير وكالة الحوض المائي عبد العاطي القيمي، بأن تحمل سنة 2025 إنذارا حقيقيا للمنطقة التي يهاجر منها المئات سنويا، إما بسبب الجفاف أو البحث عن فرص أفضل، في حال لم يتحد جميع الفلاحين للحفاظ على المياه دون استغلالها بطريقة بشعة. وأشاد المدير، ببرنامج "العقدة" الذي يضم مجموعة من الحلول التي تحل عقدة المياه الجوفية بإقليم زاكورة، مضيفا أن البرنامج لن ينجح إلا بإدماج المزارعين وانخراطهم فيه كي يحافظ كل السكان جماعية على ذهب زاكورة الأزرق.

أما البرلماني السابق حماد آيت باها، فهو يؤيد زراعة البطيخ الأحمر الذي حسن من حال السكان اقتصاديا واجتماعيا، كما يشير بشكل واضح إلى أنه "حان الوقت لتقنين زراعة هذه الفاكهة بزاكورة"، مؤكدا على ضرورة تقليص المساحات المزروعة كي يحافظ البطيخ الأحمر على ثمنه في السوق، فارتفاع العرض مقابل الطلب سيقود الفلاح إلى بيع محصوله بثمن بسيط جدا، لكنه لو زرع  هكتارات أقل وشتائل أقل (تزرع 3000 شتيلة بطيخ أحمر في الهكتار الواحد) فإن ثمن بيع الكيلوغرام الواحد سيعرف ارتفاعا ملموسا، والذي يصل في أحيان كثيرة إلى سبعة دراهم.

للبطيخ الأحمر أمل في النجاة على ظهر أرض زاكورة الجافة، في حال اشتدت المراقبة على الآبار غير المرخصة والاستغلال غير القانوني للفرشاة المائية من طرف السلطات العمومية التي لها الحق في تحرير المخالفات، وشرطة المياه المحدثة سنة 2017 والمنصوص عليها في القانون 36.15 المتعلق بالماء. ويتوفر الحوض المائي لجهة درعة وادنون على أكثر من عشرة عناصر من شرطة المياه التي من ضمن مهامها وفق نفس القانون، تأمين الحق في الولوج إلى الماء والعيش في بيئة سليمة للكل وعلى قدم المساواة.