في 21 أبريل شهدت مدينة عدن منخفض جوي أدى إلى هطول أمطار غزيرة و بشكل غير مسبوق في مدينة تعرف بندرة الأمطار بشكلٍ عام ولاسيما في فصل الصيف. الامطار التي استمرت طوال اليوم تسببت بكارثة سيول أودت بحياة  10 شخص على الأقل وجرح اخرين وتدمير أكثر من 80 منزل الى جانب أضرار مادية جسيمة للطرقات العامة و البنية التحتية للمدينة وتم على إثرها إعلان مدينة عدن مدينة منكوبة.

تصوير : أمة الرحمن

لم تكن كارثة السيول هي الاولى, فقد شهدت المدينة في الخامس والعشرين من شهر مارس هطول امطار غزيرة و سيول ايضا ولكن بدرجة أقل عنفاً. مع تزايد ظروف الطقس المتطرفة يقول الدكتور وديع الشرجبي أستاذ مشارك في علوم البيئة و نائب عميد مركز الدراسات البيئية وخدمة المجتمع في حوار خاص لمجلة كلايمت تراكر:

"ما شهدته عدن من تغير مفاجئ في مناخها نتيجة المنخفض الجوي يأتي في سياق التغيرات المناخية  التي يشهدها العالم".

تعاني مدينة عدن من نظام صرف صحي مهترئ وتفتقر إلى قنوات تصريف مياه الأمطار مما أسفر عن بحيرات ومستنقعات في اغلب الطرق الفرعية و الاحياء السكنية ,وفي اقل من شهر من إعلانها مدينة منكوبة بفعل السيول, تم اعلان عدن مدينة منكوبة صحياً ؛ الحميات انتشرت بشكل مخيف وامتلأت المستشفيات على غير العادة يقول ابو احمد احد سكان حي المنصورة:

"بعد حوالي أسبوع من هطول الأمطار الغزيرة بدأت علي اعراض الحمي الشديدة والصداع و رافق ذلك آلام في مفاصلي حتى أصبحت طريح الفراش, بعد اجراء التحاليل تبين اني اعاني من مرض المكرفس (حمى الشيكونغونيا) وما هي الا بضعة ايام حتى اطاحت الحمي تقريبا بكل افراد عائلتي ، حتى أن ابني الاوسط توالت عليه حمى الضنك ثم الملاريا تباعاً".

يتابع ابو احمد:

"امام منزلي انفجرت مياه مجاري الحي بفعل السيول مما خلف بحيرة جعلتنا في حرب يومية مع البعوض ومختلف الحشرات بل و اعاقت التنقلات ايضا".
مستنقع من مياه السيول والصرف الصحي في احد احياء عدن المصدر: الأيام

مستنقع من مياه السيول والصرف الصحي في احد احياء عدن تصوير : محمد الحكيمي

المياه الراكدة المختلطة مع مياه الصرف الصحي المنتشرة  في اغلب احياء المدينة و التي تزامنت مع ارتفاع حرارة الصيف في مدينة عدن خلقت بيئة مثالية لتكاثر البعوض ومختلف النواقل, يقول الدكتور الشرجبي:

"التغيرات المناخية تؤثر سلبيا على الصحة خاصة في البلدان الفقيرة , كما أن حوادث الطقس المتطرفة كهطول الأمطار الغزيرة عادة ما تقترن بارتفاع نسبة الأمراض المعدية , درجة الحرارة والرطوبة وهطول الأمطار تعد من أكثر العوامل تأثيرا على نواقل الامراض الضنك والملاريا والكوليرا".

ارتفعت نسبة الحميات بشكل كبير في المدينة خلال هذا الشهر,  المياه الراكدة المختلطة مع مياه المجاري تملأ الأحياء السكنية في ظل غياب شبه تام للمسؤولين في الدولة , تقول الدكتورة اشراق السباعي وكيل وزارة الصحة في العاصمة المؤقتة عدن  في تصريح خاص:

"احمل المسؤولية السلطة المحلية التي بدورها تخلت عن دورها نتيجة المماحكات السياسية، و خضوع عدن للحكم الذاتي من قبل مليشيا الانتقالي التي تسعى للانفصال عن الشرعية". 

تضيف السباعي:

"مكتب الصحة في عدن مغلق تماماً في ظل تقاعس واضح من قبل محافظ عدن و السلطة المحلية او كما تسميها سلطة أمر الواقع".

 لا توجد أرقام دقيقة فبحسب مسؤول الإحصاء في وزارة الصحة

"نمتلك طاقم محدود و البيانات كبيرة ولا نستطيع تحديد الأرقام حتى الآن" 

وبرغم عدم وجود احصائية دقيقة من قبل وزارة الصحة الا ان احد مراكز الطوارئ في شمال المدينة افاد انه استقبل 582 حالة خلال ثلاثة أيام فقط في إشارة مخيفة لحجم تفشي الحميات في هذه المدينة, توزعت الحالات بالشكل التالي:

في بداية شهر مايو بدأت أعداد الوفيات بالتصاعد لتسجل 1193 حالة وفاة خلال عشرين يوم فقط بحسب مصلحة الأحوال المدينة في عدن ، الأمر الذي اعتبره رئيس مصلحة الاحوال المدنية اللواء سند جميل ووصفه" بـ الغير اعتيادي" !

 يقول الدكتور حسام الكعوري طبيب عام في أحد المستشفيات الحكومية في عدن في حوار خاص للمجلة:

"الوفيات بالحميات راح ضحيتها كبار السن بالأخص ولكن الارجح ان الوفيات بسبب فيروس كورونا"

فيروس كورونا الوباء العالمي الذي تفشى في كل دول العالم برغم تأخر وصوله الى اليمن الا انه في 30 من شهر أبريل سجلت عدن أول حالة وفاة مؤكدة ليصل العدد إلى 35 خلال ثلاثة أسابيع  حسب اللجنة العليا الطوارئ .

مريض بالكرفس في مستشفى الأمل, تصوير: طارق الحكيمي

يضيف الدكتور الكعوري:

" قد تبدأ الحالات في معظمها بالإصابة بأحد الحميات و التي بدورها تضعف جهاز المناعة مما يجعل المريض و جهازه المناعي فريسه سهله امام فيروس كورونا وإن كان لا زال في مرحلة الشباب خاصة ان المعظم لا يلتزم بالحجر المنزلي".

يؤكد علي كلامة الدكتور محمد البعداني احد الاطباء اليمنيين المقيمين في إيطاليا في حوار خاص مع المجلة

" من خلال اطلاعي على الوضع في عدن فالمريض قد يكون عرضة للإصابة المزدوجة co-infection " بأحد الحميات المنتشرة في عدن بعد كارثة السيول الاخيرة وفيروس كورونا ” 

يضيف البعداني:

"مناعة المواطن اليمني هشة وتكاد تكون الأسوأ , يعود هذا إلى سوء التغذية وعشوائية تناول الادوية و بالأخص المضادات الحيوية".
قسم الرقود في أحد المستشفيات الحكومية المصد: المشاهد نت

ارتفاع الوفيات الغير مسبوق بعد كارثة السيول جعل التكهنات ظهور فيروسات وأوبئة جديدة , ففي دراسة بحثية لأحد الشركات المعنية بمكافحة الأوبئة، خلصت إلى أن هناك احتمال كبير لانتشار فيروس القوارض نتيجة اختلاط مياه السيول بمخلفات القوارض في مياه الصرف الصحي والتي وصلت للمنازل الفيروس الذي يتسبب بمتلازمة رئوية حادة , الأمر الذي نفته الدكتورة السباعي قائلة:

" لا توجد صحة لما يتم تداوله من تفشي فيروسات جديدة "

تضيف السباعي:

"خلُصَت دراسة قام بها خبير الاوبئة ومستشار وزير الصحة البروفيسور باعوم ان ما يصل نسبته إلى 85% وفيات طبيعية في المنزل  , قد يكون كورونا يساهم بنسبة كبيرة  وأدوات تشخيص الفيروس المستجد محدودة إلى جانب تدني وعي المواطن بضرورة التوجه لمستشفى العزل او الالتزام بالحجر المنزلي بالإضافة إلى انتشار الحميات الغير مسبوق , كلها عوامل ضاعفت من نسب الوفيات". 


تصوير محمد الحكيمي

لم يكن تزامن انتشار كورونا والحميات المتفشية نتيجة السيول هو القدر السيء الوحيد ولكن ترافق ذلك مع  صراع سياسي راح ضحيته المواطن ,  المنظومة الصحية متهالكة  تعمل بنصف طاقتها نتيجة الحرب الممتدة لخمس سنوات . فمعظم المستشفيات الخاصة والعيادات علي قلتها اغلقت ابوابها خوفا من العدوى متعللة  بأنها لا تملك أدوات الوقاية الكافية , تقول الدكتورة اشراق السباعي:

" إغلاق المستشفيات الخاصة شكَل ازمة حقيقية امام المرضي مما استدعى منا التدخل بإلزام مدراء المستشفيات الخاصة بإعادة فتح أبوابها لاستقبال مرضى الحميات و ستقوم الوزارة بتوفير ادوات الوقاية بقدر المستطاع".

الخدمات هي الأخرى شبه مغيبة وتأتي على رأسها الكهرباء التي تنطفئ لساعات في صيف مدينة حارة تصل حرارتها في المتوسط إلى 35 درجة مئوية , مما جعل المواطنين يتركون منازلهم بحثا عن نسمة هواء في الخارج وبحثا عن لقمة العيش , حتى وإن كلفهم حياتهم ! .

خاتمة

أزمة عدن الصحية المستمرة حتى يومنا هذا, تكشف بكل وضوح كيف يساهم التغير المناخي و أحوال الطقس المتطرفة في مضاعفة معاناة البلدان النامية وزيادة الأمراض, رغم أنها الأقل مساهمة في انبعاثات الكربون الضارة ألا أنها على صعيد العواقب أكثر تضررا لما تعانيه من هشاشة اقتصادية وبطىء في التكيف و ضعف إمكانيات الاستعداد لمواجهة العواقب الصحية والاقتصادية خاصة في بلد منكوب بالصراع الداخلي.
لابد من فرض رسوم ضريبة الكربون على البلدان المتسببة بانبعاث كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري لدعم بلدان فقيرة مثل اليمن لتتخطي كوارث المناخ الصحية و الاقتصادية . ووضع سياسات أكثر صرامة لخفض الانبعاثات الضارة بهدف ضمان تقليل العواقب الصحية لتغير المناخ في سبيل تحقيق العدالة المناخية.