في خضم محاولات النجاة من فيروس كورونا المستجد كوفيد-19، لم يلتفت كثيرون لخطر من نوع آخر، لا يهدد الإنسان وحده وإنما يهدد حياة الكائنات البحرية ويؤثر سلبا على اقتصاد الدول، وهو"تلوث البلاستيك".

ومنذ مطلع مارس الماضي مع ظهور أول حالة كورونا في مصر، وحتى تجاوز حاجز الـ20 مليون إصابة مع نهاية شهرمايو، اتخذت الحكومة عددا من الإجراءات الوقائية في محاولة لاحتواء انتشار الفيروس منها إغلاق المطاعم والفنادق أمام الجمهور واقتصار عملها على خدمة التوصيل للمنازل، والتزمت أماكن العمل بتوفير إجراءات وقاية مناسبة، كما لزم آلاف المواطنين منازلهم، متعتمدين بشكل أساسي على طلب ما يحتاجونه من السلع "أونلاين"، مما أدى إلى تزايد مخلفات البلاستيك في مصر.

ويقول سيف الأشقر، المسؤول الإعلامي لمبادرة "فري نايل"، لـ"كلايمت ترايكر" إن جائحة كورونا كان لها تأثير سلبي على مشكلة تلوث البلاستيك في مصر لأنها أدت إلى زيادة إستهلاك الحقائب البلاستيك والأكواب والأواني البلاستيك أحادية الاستخدام لتجنب إنتقال العدوى عبر أدوات الطعام.

وأضاف أننا سنظل نعاني من ذلك التأثير لسنوات طويلة حيث يحتاج البلاستيك إلى مئات السنوات حتى يتحلل، وينتهي في البحار والمسطحات المائية بما يهدد حياة الكائنات البحرية نتيجة لإبتلاع تلك المخلفات أو اختناقها بها، ويمتد تأثيره إلى الإنسان بسبب تكسر مخلفات البلاستيك لجزيئات دقيقة تعرف بـ"الميكروبلاستيك" تتناولها الأسماك وتصل إلينا في النهاية عبر السلسلة الغذائية.

وحذر سيف الأشقر من أننا في طريقنا لتجنب خطر كورونا نحدث ضررا بالبيئة البحرية ونهر النيل لا يقل خطرا، قائلا:

"قطعنا شوط كبير في التوعية بتلوث البلاستيك واستخدام بدائل صديقة للبيئة من القماش أو الورق أو الزجاج قبل أن تأتي الكورونا وتصرف أذهان الناس عن أي شيء آخر".

وأدت ظروف الحجر المنزلي وحظر التجول إلى توقف حملات التوعية وحملات تنظيف نهر النيل والشواطىء من مخلفات البلاستيك مما أدى إلى تراكمها في الطبيعة.

جميع الحقوق محفوظة "فري نايل"

ويضيف أنه حتى بعد انتهاء الجائحة ستظل الأولوية لمواجهة التأثيرات السلبية للأزمة على اقتصاد الدول عوضا عن مناقشة مشكلات بيئية مثل تلوث البلاستيك أو تغير المناخ.

وأشار إلى أننا بحاجة لقرارات رسمية على غرار التي اتخذتها عدة دول بوقف استهلاك البلاستيك.

وتأسست مبادرة فري نايل في ديسمبر 2018 بهدف تنظيف نهر النيل والمسطحات المائية في مصر من مخلفات البلاستيك، والتوعية بأضراره والبدائل المناسبة له.

وتتراوح كمية النفايات البلاستيكية البحرية في مصر بين 0.15 و0.39 مليون طن في السنة، لتحتل بذلك المرتبة السابعة عالميا كأكبر مصدر للنفايات البلاستيكية التي تتسرب للبحار والمحيطات بحسب دراسة حديثة نشرتها دورية "ساينس".

ويبلغ استهلاك مصر السنوي من أكياس البلاستيك ما يعادل 12 مليار جنيه، كما تَدخل صناعة البلاستيك في جميع القطاعات بما في ذلك التعبئة والتغليف والمواسير والأدوات المنزلية وقطع الغيار والأدوات الهندسية والمكتبية وغيرها، ويبلغ حجم الاستثمار في الصناعات البلاستيكية في مصر 702 مليار دولار سنويا، وفق خالد أبو المكارم، رئيس شعبة البلاستيك في اتحاد الصناعات المصري.

وتقول ريهام رفعت، باحثة في إدارة تغيرات المناخ ومؤسسة مبادرة إنفريوس للتوعية بتلوث البلاستيك،لـ"كلايمت ترايكر" إن الخطر ليس مقتصرا على الأواني والأكواب البلاستيكية التي تنتهي في المسطحات المائية ولكن الخطر الأكبر في النفايات الطبية من الكمامات والقفازات التي لا يتم التخلص منها بالشكل السليم وتنتهي أيضا في النيل أو البحار، لاسيما إن كانت تحمل الفيروس.

جميع الحقوق محفوظة "فري نايل"

وأضافت أن هناك احتمالين إما تأقلم الأسماك والكائنات البحرية على ذلك التلوث وما قد ينتج عنه من ارتفاع في الحرارة أو الحموضة, أو هجرتها إلى أماكن أخرى أكثر برودة، وهو ما يحملنا خسائر اقتصادية وفقدان للثروة السمكية في هذه الأماكن، كما أنه يمثل تهديد لحياة الأسماك وكذلك الإنسان إذا انتقلت إليه عبر السلسلة الغذائية.

وأضافت أننا في حاجة لحملات إعلامية لنشر الوعي بهذه المخاطر، وتوعية المواطنين بوجود بدائل أخرى لا تسمح بانتقال العدوى يمكن استخدامها مثل الأواني والأكياس الورقية.

وهناك عدد من المبادرات التي انطلقت في مصر للتوعية بتلوث البلاستيك، منها مبادرة رسمية أطلقتها وزارة البيئة المصرية في يونيو 2018 تحت شعار "التغلب على التلوث البلاستيكي"، ونجحت هذه الحملة في جمع 35 ألف طن من مخلفات البلاستيك من نهر النيل،كما توقفت بعض المحافظات المصرية عن استهلاك البلاستيك مثل البحر الأحمر ومدينة دهب في محافظة شمال سيناء، كما تقدمت النائبة المصرية أنيسة حسونة بطلب لمجلس الوزارء في يونيو 2019 لوقف استهلاك أكياس البلاستيك واستبدالها بمواد صديقة للبيئة إلا أن ذلك لم يحدث إلا على نطاق محدود وبمبادرات فردية من عدد من المحال التجارية. وهناك عدد من المبادرات الشبابية مثل "فري نايل" تعمل على نشر الوعي بتلوث البلاستيك وإعادة تدويره وطرح بدائل صديقة للبيئة مثل "بانلاستيك"و"بيكيا" وغيرهم.

ومع انتشار فيروس كورونا تعطل عمل أغلب هذه المبادرات وزاد استهلاك المواطنين للبلاستيك، فولم يعد هناك صوتٌ يعلو على صوت الكورونا!