"الساحل اللبناني الواقع شرق البحر المتوسط، تأثر بشكل مباشر بالتسرب النفطي الذي حصل قبالة السواحل الإسرائيلية ويرجح أن يكون مصدره إحدى البواخر المجهولة حتى هذا التاريخ، وتشير المعلومات إلى أن حادث التسرب وقع بين 9 و 10 شباط 2021، إذ أدت التيارات والأمواج واتجاهات الرياح إلى دفع كميات من النفط العائم على شكل قطران نحو الساحل اللبناني، أدت إلى انتشار كميات كبيرة وبنسب متفاوتة من كتل لزجة من القطران النفطي الأسود، يتراوح قطرها بين 0.5 و 50 سم على مجمل الشواطئ الرملية والصخرية الممتدة من الناقورة جنوبا حتى بيروت شمالًا" حسب ما جاء في التقرير الأولي لتلوث الشواطئ اللبنانية الصادر عن المجلس الوطني للبحوث العلمية نتيجة التسرب النفطي الذي وقع في شباط 2021، واقترح المجلس خطة طوارئ للمعالجة والمتابعة وتحديد الأثر البيئي للتلوث.

وحذر ناشطون بيئيون لبنانيون من هول تلك الكارثة، محذرين من إمكانية امتداد آثارها لعقود، بعدما امتدت الرواسب السوداء اللزجة التي ظهرت على الشواطئ الإسرائيلية لتصل إلى الشواطئ اللبنانية. وعلى شاطئ مدينة صور جنوب لبنان، أظهرت الصور آثار التسرب النفطي، الذي بدأ واضحًا بالعين المجردة على المياه. وفي حوار مع الباحث والناشط البيئي ورئيس جمعية الجنوبيون الخضر التي تعنى بحماية الإرث الطبيعي والثقافي والحياة البرية في الجنوب ولبنان، الدكتور هشام يونس، شرح تفاصيل القضية.

عضو فريق جمعية الجنوبيون الخضر أنثاء حملة تنظيف شاطئ عدلون- المصدر الأستاذ هشام يونس

ما هي آخر المعلومات المتوافرة حول القضية؟

واحدة من مواضع الضعف في التعامل الرسمي اللبناني مع قضية التسرب النفطي الكارثية هي عدم بناء قضية والتحقيق فيها بالتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية مثل وكالة السلامة البحرية الأوروبية  (EMSA) وتملك قاعدة بيانات حركة الملاحة وتعنى بقضايا التلوث الذي تتسبب به السفن، والتي أبلغت السلطات الإسرائيلية عن البقعة الزيت الثقيل المتسربة، والمنظمات الدولية مثل منظمة الملاحة الدولية (IMO)،  كدولة طرف متضررة من التسرب لمعرفة السبب وملاحقة المتسبب وتحميله مسؤولية الأضرار التي لحقت بالساحل اللبناني والموائل الطبيعية وأصحاب المصالح المختلفين. عدم وجود مسار تحقيق لبناني - دولي بالقضية أدى إلى الركون للرواية الإسرائيلية المركبة التي ذهبت إلى إتهام سفينة ليبية ، الناقلة "إميرالد"، تحمل نفطاً خاماً إيرانياً متجهة إلى سوريا وألقت عن عمد هذ الكمية (قرابة 1100 طن) بالإستناد إلى أدلة ظرفية غير مؤكدة بحسب مقالة في فورين بوليسي بغية تقديم ما حدث على أنه متعمد بغية التغطية على الإرباك والفشل في التعامل مع الأزمة فضلاً عن توجيه ذلك سياسياً خارجياً وداخلياً مع إقتراب موعد الإنتخابات العامة المزمعة 23 آذار الجاري. وهذه السردية تعفي الحكومة الإسرائيلية من المسؤولية خاضة أن ثمة رواية أخرى لا تستبعد أن يكون التسرب نتيجة عملية قصف لإحدى الناقلات التي تنقل النفط إلى سوريا وهو ما أشارت إليه وول ستريت جورنال. بالمحصلة لا يمكن الركون للرواية الإسرائيلية ولا يزال بمقدور الحكومة اللبنانية ويجب بناء قضية وتحقيق خاص كدولة متضررة وكي لا تذهب هذه الكارثة من دون الكشف عن الفاعل وتحميل الجهة مسؤولية التعويضات.

أثار التسرب على شاطئ عدلون بلبنان - المصدر الأستاذ هشام يونس

ما هي أكثر المناطق والشواطئ تضررا بفعل هذا التسرب؟

السواحل الجنوبية هي الأكثر تضرراً مع وجود مواقع أخرى من بينها ساحل الرملة البيضاء في بيروت، ولا يمكن الجزم بحجم التلوث نتيجة عدم اكتمال المسح الذي قدمه التقرير الأولي للمجلس الوطني للبحوث العلمية. ولكن نستطيع الجزم أن سواحل صور ولغاية عدلون هي الأكثر تضرراً على الساحل اللبناني. وهذه المواقع هي مواقع نشطة لتعشيش السلاحف البحرية المهددة بخطر الإنقراض كما تضم محميتان طبيعيتان هما محمية شاطئ صور الطبيعية ومحمية شاطئ البقبوق الطبيعية وحمى المنصوري (شاطئ السلاحف) وحمى القليلة.

شاطئ عدلون - المصدر الأستاذ هشام يونس

ما هو حجم الضرر على البيئة البحرية؟ وما هي الكلفة المتوقعة لازالة مخلفات التسرب النفطي ؟

للإجابة على هذا السؤال ينبغي أن يكون لدينا تقدير شامل لحجم الضرر على كامل الساحل سواء على الشواطئ أو في الماء وكذلك الموائل المختلفة على الساحل اللبناني والجنوبي الأكثر تضرراً بشكل خاص. إلا أنه إلى اليوم بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الكارثة لا نعرف الحجم الحقيقي للتلوث ودرجاته. المعطيات التي قدمها التقرير الأولي للمجلس الوطني البحوث العلمية جاءت دون التوقعات؛ مجملة ولم تغطي مختلف مستويات التلوث. هذا فضلاً عن الثغرات التي شابت المسح الذي قدمه التقرير. على سبيل المثال، فإن الرصد الجوي للساحل- لم يغطي كامل الساحل اللبناني-  جاء متأخراً أيام عدة بعد التسرب والبقع بطبيعية الحال تحركت ولم تبق في موقع واحد. حتى تلك التي حملتها التيارات المائية وحركة المد إلى الشواطئ لاحظنا تبدلها كما ساهمت الرياح بنقل بعضها أو تغطيته بطبقة من الرمال أو تعريته. كما أن آلية الرصد الجوي التي اعتمدت غير قادرة على رصد مختلف أحجام القطران الصغيرة أو الجزيئات وهي أخطرها فضلاً عن كثافتها في المياه، أمور لا يمكن لمسيرات الدرون أن ترصدها، ولم يستكمل ذلك بأخذ عينات لفحص المياه من مواقع عدة بل أكتفي بهذا الرصد وبشهادات الصيادين بأن شباكهم لم تصاب بالقطران!! وكان مستغرباً أن التقرير لم يقدم المنهجية التي اعتمدها وكيفية جمع المعطيات، خلأفاً لأي تقليد في هذا النوع من التقارير، ولم يحوي على نتائج فحوصات مخبرية لعينات من مواقع التلوث. بالمحصلة إننا إلى اليوم لا نملك تقديراً شاملاً لحجم الكارثة أو الأضرار وبالتالي لا نستطيع تقدير الكلفة.

في موضوع الأضرار البيئية، تعد الشواطئ التي أصابها التلوث من أهم مواقع الشاطئ اللبناني غنى وتنوعاً وهي موئل أساسية للسلاحف البحرية المهددة بخطر الإنقراض و مواقع تعشيش لها وقد نفق سلحفاتين بحريتين جراء القطران الطافي على سطح الماء، وجاء التلوث قبيل بدء موسم التعشيش في أيار/ مايو المقبل ونخشى أن يكون لذلك أثر على موسم التعشيش وعلى صحة السلاحف المتوجهة للشواطئ لوضع البيض لذلك نكثف في الجمعية و الناشطون البيئيون العمل على إزالة التلوث على الشواطئ الرملية التي هي مواقع تعشيش على ما سبقت الإشارة.

في ظل غياب فحص عينات المياه من عدد من المواقع التي أصابها التلوث، وهذا من الثغرات الخطيرة، لا يمكن تقديم تقييم واف على حجم الآثار على النظم البحرية والأنواع المختلفة وسلوكها بدءا من العوالق إلى الطحالب البحرية إلى باقي الأنواع السمكية و المصطبات وبرك المد والمغاور الصخرية والتي تلعب جميعها دوراً حاسماً في توفير الملاذ والغذاء لأنواع مختلفة وقد لاحظنا تلك البقع على شاطئ عدلون الصخري على ما سبقت الإشارة.

أعضاء فريق جمعية الجنوبيون الخضر على شاطئ عدلون - المصدر الأستاذ هشام يونس

ما هي الإجراءات التي قمتم بها كجمعية وناشطين في مجال البيئة؟

منذ معرفتنا بالتلوث بادرنا إلى مسح شاطئ "البقبوق" بالتعاون مع بلدية "العباسية" وبدأنا بالمتاح عملية إزالة الملوثات وهي العملية المتواصلة إلى اليوم، لليوم الخامس عشر، ونواجه تحديات مختلفة من بينها الرياح وحركة التيارات التي تبدل مواقع البقايا ولاحظنا في بعض المواقع في الأيام الأولى وجود بقع جديدة، بمعنى أنه في الأيام الأولى التي غاب عنها اي تحرك للوزارات المعنية بشكل أساسي وزارة البيئة وحتى إتحاد بلديات صور الذي فضل تأخير أعمال إزالة المخلفات خمسة أيام، كانت كميات القطران لا تزال بحكم العوامل المناخية أكثر "حركة" إذا جاز التعبير في المواقع على الشاطئ وفي الماء وهو ما صعب عملية التعامل معها مع كل ساعات تأخير، وهو أمر على سبيل المثال لم يأت على ذكره تقرير المجلس.

كما عملنا على مسح شاطئ عدلون وهو مقترح محمية طبيعية من قبلنا أمام وزارة البيئة ومقترح تصنيف موقع أثري أمامي وزارة الثقافية لما يتميز به من مزايا طبيعية وثقافية، وتبين هناك موقعاً أصبه التلوث بشكل أساسي وهو خليج أبو زيد ونظامنا هناك حملة على مراحل أنجزنا الأساسي منها من مرحلتين ولا تزال هناك بقع قطران تغطي مساحة من الصخور ينبغي على الوزارة توفير المعدات والمختصون لإزالتها.  

من شاطئ "عدلون" بلغت الكمية المزالة في المرحلتين ما يزيد عن 300 كلغ وما يزيد عن 400 كلغ من محمية شاطئ البقبوق في العباسية حيث لا يزال العمل متواصلا مع بلدية العباسية على إزالة المتبقي ومن ثم تقدير الكمية الكلية. بخصوص الآلية المتبعة فهي تقوم على تقسيم الشاطئ مربعات، وهذه منهجية معتمدة من قبلنا في حملات تنظيف الشواطئ إستباقاً موسم تعشيش السلاحف البحرية، نعمل على مسحها وإزالة الملوثات عنها وفرزها ضمن أكياس مخصصة لكل نوع.

أعضاء فريق الجمعية أثناء حملة تنظيف شاطئ عدلون - المصدر الأستاذ هشام يونس

كيف تصف عمل وزارة البيئة والدولة اللبنانية بأجهزتها للتصدي لهذه القضية والأضرار الناجمة عنها؟

الحكومة اللبنانية فشلت في التعامل مع الكارثة وكان يجدر بها تشكيل فريق إدارة أزمة يستنفر أجهزة الوزارات المعنية، البيئة والأملاك العام والصحة والزراعة والخارجية لتقييم سريع للأضرار وإدارة الوضع ودراسة التداعيات بغية احتوائها والتقليل من أثرها. على العكس من ذلك تهربت الحكومة من تحمل مسؤولياتها واكتفت بتكليف المجلس الوطني للبحوث لوضع الخطة، وحين صدر تقرير الأخير بعد ستة أيام على الكارثة بصيغة تقرير أولي قدم إقتراحات عامة لا تشكل خارطة لإدارة الأزمة -لم يزعم التقرير غير ذلك- ومن دون تقديم المعطيات الكاملة التي تسمح بتقييم شامل لحجم وأثر الكارثة، كما تأخرت ولا تزال وزارة البيئة والوزارات الأخرى، علماً أن الوزارة تملك تجربة في التعامل مع الكارثة بالنظر إلى تجربتها مع تسرب محطة الجية إبان عدوان تموز 2006.