تقع دولة المغرب في الشمال الغربي للقارة الإفريقية، وتعتبر الدولة رائدة في تبني سياسة التكيف في ظل تأزم إشكالية التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف. ويشكل قطاع الفلاحة بالمملكة أهمية اقتصادية واجتماعية لا يمكن إنكارها، حيث تبلغ حصة الزراعة في إجمالي التشغيل على المستوى الوطني نحو 38%، ونحو 74% في المناطق الريفية.  فضلا عن ذلك يساهم هذا النشاط بما يقرب الـ 13% من الناتج المحلي الوطني، حيث تتباين مساهمة الجهات 12 للمملكة.



خريطة التوزيع الجغرافي للمناطق بالمغرب


وتعتبر جهة سوس ماسة رائدة بالميدان الفلاحي بنسبة 14,5%، فقد احتلت المرتبة السادسة وطنيا سنة 2019 بمساهمة تعادل 6,6% من الناتج المحلي الوطني حسب المديرية الجهوية لسوس ماسة التابعة للمندوبية السامية للتخطيط.  و قد أكد المركز الجهوي للإستثمار- سوس ماسة أن الجهة تصدر 44% من إجمالي الصادرات الفلاحية للمملكة مثل البواكر والحوامض والطماطم والبطيخ الأحمر في ظل عجز مائي يصل إلى 271 مليون متر مكعب.

"غفل طارت عينك" مثل شعبي مغربي يترجم حالة عدم المبالاة التي تسببت في تفاقم المشاكل في عدة قطاعات منها قطاع المياه. عدم تبني السلطات المحلية  سياسات حوكمة مائية مبكرة بجهة سوس ماسة أدى إلى وقوع المتساكنين والفلاحين بالجهة في الجفاف إلى جانب تفاقم مشكل العطش الذي دفع السلطات المحلية إلى الشروع في توقيف الإمداد بالماء الصالح للشرب ببعض المدن ليلا من حوالي التاسعة  إلى الخامسة فجرا كمخطط استعجالي لترشيد في استعمال المياه الصالحة للشرب في ظل قلة التساقطات وتراجع حجم المياه المعبأة بالسدود والاستغلال المفرط للمائدة المائية. مع العلم أن استعمال المياه للشرب والصناعة لا تتعدى نسبته 7% خالفا للفلاحة التي تشغل 93% من الموارد المائية للمنطقة حسب إحصائيات وكالة الحوض المائي بالمنطقة. ويجدر الإشارة أن الأنظمة الزراعية في المنطقة متنوعة للغاية. فيمكن بسهولة ملاحظة انتشار الزراعات التي تعتمد الري المكثف بنواحي سوس وشتوكا وتزنيت.

وتبلغ مساحة جهة سوس - ماسا 789 53 كيلومترا مربعا بما يعادل % 7.6 من مساحة التراب الوطني ويصل عدد سكانها إلى 2,676,847 فردا. ومن الجدير بالذكر أن مساحة الأراضي المزروعة المسقية تصل إلى 664 104هكتار بما يعادل 2% من إجمالي مساحة المنطقة التي تتميز بمناخ جاف إلى شبه جاف.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر، يشتكي سكان بعض الدواوير من الوضع المتردي وندرة المياه بسبب استنزاف المائدة المائية من قبل الضيعات الفلاحية التي يملكها فلاحون كبار حيث تحتوي أراضيهم على آبار عميقة. وقد صرح أحد الفلاحين أن "الفلاحين الكبار يستخدمون معدات وتقنيات لضخ كميات كبيرة من المياه لفائدتهم." ويؤكد عدد من السكان بالأقليم أن الوضع المائي لم يعد يحتمل استنزافا أكثر، مشيرين إلى أن استمرار الوضع على ما هو عليه سينذر بكارثة حقيقية للفلاحين الصغار وسيؤثر عليهم ويضاعف معاناتهم، خاصة في ظل شح الأمطار.                 وأثار دهشتي ما صرح به الفلاح أحمد بعدم مبالاته ترشيد استعمال المياه الجوفية في ظل توالي سنوات الجفاف، حيث قام بالتخلص من ضخ المياه بالغاز بسبب غلاء تكلفتها في مقابل اعتماده على الري الموضعي وتقنية ضخ المياه بالطاقة الشمسية والذي ساعده على تحسين وزيادة مردوده الفلاحي. كما أنه لا يفكر في خفض منسوب انتاجه الفلاحي على رغم من شح التساقطات، إلى جانب عدم اهتمامه بسياسة خفض استغلال المياه الجوفية بالمنطقة. وقد أفصح أيضا أن بعض الفلاحين يقومون بنقل المياه من ضيعة إلى اخرى بسبب عدم وفرة مياه السقي.

فقبل 40 سنة كان الماء يتواجد بالآبار على عمق 15 أو 20 متر أما حاليا أصبح العمق يصل إلى أكثر من 300 متر في ظل صعوبة إعادة الشحن المباشر للمائدة المائية الباطنية عن طريق المياه السطحية. وقد انتشرت هذه الإشكالية في العديد من المواقع الالكترونية وبعض الصحف وذلك بهدف إيصال أصوات المواطنين المتضررين من حدة الوضعية الراهنة

وتداعياتها على المستقبل القريب والبعيد.


خريطة الموارد المائية لجهة سوس ماسة


وحسب ما جاء في خلاصة تدابير الطلب المائي بالحوض المتوسطي نموذج المغرب فإنه "يظهر التحليل التاريخي للقطاع الفالحي في سوس ماسة التطور السريع للزراعة المسقية في شكل" طفرة" ابتداء من سنة 1940 بناءا على منطق النمو االقتصادي الذي يبرز ضعف تنظيم استخدام المياه. هذا التطور المكثف للسقي عن طريق الضخ أدى لظهور الأعراض الأولى للاستغلال المفرط."

 فقد انتشر على مر السنوات الاستغلال العشوائي للثروات المائية في ظل غياب الرقابة والحوكمة المائية بالجهة و عدم استعمال معدات الري الصديقة للبيئة إلى جانب التفكير في الربح الفردي دون المبالاة بحماية المائدة المائية بجهة سوس ماسة بالإضافة غلى انتشار الزراعات المستنزفة للثروة المائية.


          فمنذ أوائل 1970، أدرج المغرب في مختلف خطط التنمية الفلاحية التكيف مع التغيرات المناخية، باعتبار أنه قطاع حيوي لتحقيق التنمية والأمن الغذائي. ويحظى القطاع الفلاحي بأهمية كبرى، تعكسها بشكل كبير تطلعات مخطط «المغرب الأخضر »الذي يكرس هيمنة هذا القطاع على غيره من القطاعات وتجعل منه قاطرة للتنمية في المغرب.


وصدر بالمجلة المالية لسنة 2011 والتي تعدها وزارة الاقتصاد والمالية  "يهدف هذا المخطط إلى الاستفادة من الإمكانات التي يختزنها قطاع الفالحة، ويروم بالتالي بلوغ أهداف طموحة في أفق 2020،تتعلق أساسا برفع حصة القطاع الفالحي في الناتج الداخلي الخام من خالل رفع القيمة المضافة إلى ما بين 144 مليار درهم و174 مليار درهم وإحداث 1.500.000 فرصة عمل جديدة و مضاعفة دخل الساكنة القروية؛ مضاعفة 3,5 مرة صادرات شعب  الحوامض والزيتون والفواكه وهو ما سيمكن من رفع قيمة هذه الصادرات إلى حوالي 44 مليار درهم .تهدف الدعامة الأولى للمخطط إلى تنمية الفلاحة ذات القيمة المضافة والإنتاجية العالية والموجهة بالأساس نحو التصدير. و سيشرع في هذا الصدد في إنجاز 961 مشروعا موزعا على 560.000 ضيعة بمبلغ استثماري يقارب 121,5 مليار درهم؛ أما الدعامة الثانية موجهة للتأهيل التضامني النسيج الإنتاجي لفائدة 840.000 فلاح مستهدف من خلال إنجاز 545 مشروع بمبلغ استثماري يقدر ب 19,25 مليار درهم."

 و في هذا الصدد عرف قطاع الري الفلاحي تنفيذ البرنامج الوطني الاقتصاد المياه في والري (PNEEI)، وبرنامج توسيع الري (PEI)، و برنامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص الري (PPPI). وقد أكد مدير المكتب الجهوي للإستثمار الفلاحي لسوس ماسة، أنه خلال الدورة العادية للغرفة الفلاحية لجهة سوس ماسة بشهر مارس 2020 تم إنجاز أكثر من 107 مشروع بجهة سوس ماسة بين الدعامة الأولى و الثانية لمخطط المغرب الأخضر. كما أنه شرع في تنفيذ مشروع الري الموضعي و مشروع ضخ المياه بالطاقة الشمسية منذ سنة 2013 الذي يهدف إلى تثبيت 3000 نظام ضخ بالألواح الشمسية بقوة تصل إلى MW15، وتجدر الإشارة إلى أن معظم مشاريع برنامج إدماج التغيرات المناخية بمخطط المغرب الأخضر تجمع على حد سواء بين التكيف والتخفيف من انبعاثات الغازات الدفيئة. 12

والجدير بالإشارة إلى كون مشروع ضخ المياه بالطاقة الشمسية يندرج ضمن الاستراتيجية الوطنية للنجاعة الطاقية و التي ترمي إلى اعتماد الطاقات المتجددة إلى جانب خلق فرص عمل صديقة للبيئة. ويهدف مشروع المغرب الأخضر إلى تحقيق تنمية مستدامة في القطاع الفلاحي و الاستعمال المعقلن للموارد المائية و تشجيع تبني نظام ضخ المياه بالطاقة الشمسية المقرون بتقنيات الري الموضعي. و تهدف جهة سوس ماسة إلى اقتصاد ما  يقدر بـ 330 مليون متر مكعب من الماء في أفق 2020 ما يعادل تجهيز 110.000 هكتار بنظام السقي الموضعي.



Palm trees in the desert


 وفي تصريح لـ le360 ، أكد أحمد بونعمة، رئيس جمعية الفلاحين المتحدين لجهة سوس ماسة، أن عدد المستفيدين من مشروع ضخ المياه بالطاقة الشمسية وصل إلى ما يزيد عن 50 فلاحا بتمويل ذاتي في سنة 2019، ومن جانبهم، أكد عدد من الفلاحين المستفيدين من المبادرة التي ناهزت تكلفتها المادية ما بين 200 إلى 335 ألف درهم للفلاح الواحد، أن المشروع خفف من عبء النفقات عليهم وساهم بشكل فعلي في ضخ مياه السقي بالضيعات الفلاحية على النحو المرغوب فيه.

ومع ذلك، ظلت بعض القيود تعيق فعالية نموذج التنمية الزراعية المغربية. وشملت هذه القيود الافتقار إلى الحوكمة مثل عدم فعالية التدخلات العامة مع الضعف المؤسسي على المستوى الإقليمي، وضعف الشراكة بين القطاعين العام والخاص والتنظيم المهني، كما تطغى الحوكمة المركزية على حساب الحكومة المحلية والاقليمية. ,من بين القيود أيضا نجد ضعف الاهتمام بقضايا حيازة الأراضي التي تعيق نمو الاستثمار الزراعي (حيث يشكل صغار الملاكين %70 من الحيازات)، إلى جانب ضعف رأس المال البشري للمساهمة في تحديث القطاع (معدلات الأمية المرتفعة، وتبني التكنولوجيا المنخفضة). ونجد أيضا سوء إدارة الموارد المياه، وتنظيم بعض القطاعات.

وحسب ما تضمنته أحد الوثائق الرسمية لسنة 2018 أن أثار ضخ المياه بالطاقة الشمسية لا تزال مبهمة خاصة في ما يتعلق باستهلاك الماء والوضعية الاجتماعية والاقتصادية للفلاحين.


كما أن لوكالة الحوض المائي، وهي ملحقة إدارية تتبع وزارة الفلاحة، شكوك حول الآثار الحقيقية لهذه التكنولوجيا على الصعيد الاقتصادي، والاجتماعي والبيئي. حيث تهتم هذه الإدارة بكيفية استغلال المياه المهددة بالنضوب من جراء التغيرات المناخية، إلى جانب سعيها للحفاظ على المائدة المائية وتقنين حفر الآبار بجهة سوس ماسة.

و رغم المجهودات المبذولة من خلال نشر دليل الفلاح للري الموضعي و دليل الضخ الشمسي للمياه بالقطاع الفلاحي يظل مشكل نشر الوعي بين الفلاحين لتغيير فلاحتهم إلى فلاحة لا تستنزف المياه الجوفية مشكلا مطروحا خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وتفشي الأنانية في التعامل مع الموارد المائية دون التفكير في مصير الأجيال القادمة. 

في حين تتمثل مشاكل جهة سوس ماسة في ارتباط التنمية الفلاحية بالمائدة المائية وهنا يتبادر إلى ذهني أحد الأمثال الشعبية  سمعتها عن أحد الفلاحين والذي يقول "أش خاصك أ العريان لخواتم أمالي" قول مأثور يقال عندما نتخذ قرارات لا تعمل على توفير احتياجاتنا الحقيقية إلى جانب تسترها على النقائص والمشاكل التي نعاني منها.